الشيخ محمد رشيد رضا
385
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الدين هداية لهم كلهم لا خاصة بمن كان مثلكم قوي الاستعداد لتكميل نفسه بما يعتقد انه الحق وفيه الفائدة والخير ، بحيث لو ترك إلى اجتهاده لا يترك العناية بتكميل ايمانه ، وتهذيب نفسه ، وشكر ربه وذكره ، وقد رأيت بعض المتعلمين في المدارس العالية والباحثين في علم النفس والاخلاق ينتقدون مشروعية توقيت الصلوات والوضوء وقرن مشروعية الغسل بعلل موجبة وعلل غير موجبة على الحتم ، ولكن تقتضي الاستحباب ، وربما انتقدوا أيضا وجوب غير ذلك من أنواع الطهارة بناء على أن هذه الأمور يجب ان تترك لاجتهاد الانسان يأتيها عند حاجته إليها ، والعقل يحدد ذلك ويوقته ! ! هؤلاء تربوا على شيء وتعلموا فائدته فحسبوا لاعتيادهم واستحسانهم إياه انهم اهتدوا اليه بعقولهم ولم يحتاجوا فيه إلى ايجاب موجب ولا فرض شارع ، وان ما جاز عليهم يجوز على غيرهم من الناس ، وكلا الحسبانين خطأ فهم قد تربوا على أعمال من الطهارة ( النظافة ) منها ما هو مقيد بوقت معين كغسل الأطراف في الصباح ( التواليت ) وهو مثل الوضوء ، أو الغسل العام ، ومنها ما هو مقيد بعمل من الاعمال ، وتعلموا ما فيه من النفع والفائدة فقياس سائر الناس عليهم في البدو والحضر خطأ جلي . ان أكثر الناس لا يحافظون على العمل النافع في وقته إذا ترك الامر فيه إلى اجتهادهم ولذلك ترى البيوت التي لا يلتزم أصحابها أو خدمها كنسها وتنفيض فرشها وأثاثها كل يوم في أوقات معينة عرضة للأوساخ ، فتارة تكون نظيفة ، وتارة تكون غير نظيفة ، واما الذين يكنسونها وينفضون فرشها وبسطها كل يوم في وقت معين وإن لم يلم بها اذى ولا غبار فهي التي تكون نظيفة دائما . فإذا كانت الفلسفة تقضي بان يزال الوسخ والغبار بالكنس والمسح والتنفيض عند حدوثه وان يترك المكان أو الفراش أو البساط على حاله إذا لم يطرأ عليه شيء ، فالتربية التجربية تقضي بأن تتعهد الأمكنة والأشياء بأسباب النظافة في أوقات معينة ليكون التنظيف خلقا وعادة لا تثقل على الناس ولا سيما عند حدوث أسبابها ، فمن اعتاد العمل لدفع الأذى قبل حدوثه أو قبل كثرته فلأن يجتهد في دفعه بعد حدوثه أولى وأسهل . وعندي أن أظهر حكمة للتيمم هي تمثيل حركة طهارة الوضوء عند القيام إلى الصلاة ليكون أمرها « تفسير النساء » / « 49 خامس » / « س 4 ج 5 »